محمد الغزالي

464

فقه السيرة ( الغزالي )

وحدث في أثناء المرض أن مرّت أوقات هادئة خيّلت لمحبي الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنّ أمانيهم في عافيته نجحت ، وأنّه يوشك أن يقوم ليستأنف كفاحه في سبيل اللّه ، وليظلّ يحبوهم بعطفه وحرصه وإيناسه ورحمته . فعن عبد اللّه بن كعب بن مالك أن ابن عباس أخبره : أنّ عليّ بن أبي طالب خرج من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه ، فقال الناس : يا أبا حسن ! كيف أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : أصبح بحمد اللّه بارئا . فأخذ بيده العبّاس بن عبد المطلب فقال : ألا ترى ؟ إنك بعد ثلاث عبد العصا ، وإنّي أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيتوفّى في وجعه هذا ، وإنّي لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت . . ! فاذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسله فيمن يكون هذا الأمر ، فإن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان في غيرنا استوصى بنا خيرا ، قال عليّ : واللّه لئن سألناها رسول اللّه فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا ، واللّه لا أسألها رسول اللّه أبدا « 1 » . وظاهر أنّ العباس يعني الخلافة ، فقد شعر الرجل بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم في مرض الموت ، وخبرته بأقاربه حين يحتضرون جعلته صادق الحدس في تبيّن مصائرهم . ولما كان عميد بني هاشم ، فقد أهمّه أن يعرف لمن ستكون سيادة الناس بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اتجه إلى عليّ يبثّه مكنون نفسه ؛ لأنّ عليا - بسابقته وكفايته ومنزلته في الناس ، وموضعه من الرسول صلى اللّه عليه وسلم - يعد أول بني هاشم ترشيحا لهذا الأمر . بيد أنّ عليا كره أن يكلّم النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، واثر ترك الأمر لجمهور المسلمين . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم نفسه قد همّ بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم ، ثم بدا له فاختار أن يدع المسلمين وشأنهم ، ينتخبون لقيادتهم من يحبّون « 2 » .

--> - 212 ، من طريق ابن أبي المعلى عن أبيه . ورجاله ثقات غير الابن المذكور فلم أعرفه ، وقد قال ابن كثير ( 5 / 230 ) : « قالوا : صوابه أبو سعيد بن المعلى » . ( 1 ) صحيح أخرجه البخاري : 8 / 116 - 117 . ( 2 ) يشير إلى حديث ابن عباس مرفوعا : هلموا أكتب لكم كتابا . . . أخرجه البخاري : 8 / 110 .